عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
514
اللباب في علوم الكتاب
يتحصّل في قلبه إلّا الحقّ ، وإذا كان الإيمان الّذي هو مقصوده ومطلوبه ومراده ، لم يقع بإيجاده ، فبأن يكون الجهل الّذي لم يرده وما قصد تحصيله ، وهو في غاية النّفرة « 1 » [ عنه ] « 2 » غير واقع بإيجاده أولى ، وأما الجواب عن احتجاجه بقوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فمن وجهين : الأوّل : أنّه - تعالى - قال حكاية عن إبراهيم - عليه السلام - : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [ الشعراء : 80 ] ، أضاف المرض إلى نفسه ، والشّفاء إلى اللّه - تعالى - ، ولم يقدح ذلك في كونه - تعالى - خالقا للمرض والشّفاء ، وإنما فصل بينهما رعاية للأدب ، فكذا ههنا ؛ فإنه يقال : يا مدبّر السماوات والأرض ؛ ولا يقال : « يا مدبّر القمل والصّيبان والخنافس . . » فكذا ههنا . الثاني : قال أكثر المفسّرين في قول إبراهيم - عليه السلام - : « هذا رَبِّي » * إنه ذكر هذا استفهاما على سبيل الإنكار ؛ كما قدمناه فكذا ههنا ؛ كأنّه قيل : الإيمان الّذي وقع على وفق قصده ، قد بيّنّا أنّه ليس واقعا منه ، بل من اللّه - تعالى - فهذا الكفر [ ما ] « 3 » قصده ، وما أراده ، وما رضي به ألبتّة ، فكيف يدخل في العقل أن يقال إنّه وقع به . وأما قراءة : « فَمِنْ نَفْسِكَ » فنقول : إن صح أنه قرأ بها أحد من الصّحابة والتّابعين ، فلا طعن فيه ، وإن لم يصحّ ذلك ، فالمراد أن من حمل الآية على أنّها وردت على سبيل الاستفهام على وجه الإنكار ، قال : لأنّه لما أضاف السيئة إليهم في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار ، كان المراد أنّها غير مضافة إليهم ، فذكر [ قوله ] : « فَمِنْ نَفْسِكَ » كقولنا : إنه استفهام على سبيل الإنكار . فصل [ في قوله « فما أصابك من حسنة فمن اللّه ، وما أصابك من سيئة فمن نفسك » ] [ فصل ] « 4 » قوله : « ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ » أي : من خير ونعمة ، « فَمِنَ اللَّهِ ، وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ » أي : بليّة أو أمر تكرهه « فَمِنْ نَفْسِكَ » أي : بذنوبك ، الخطاب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد غيره ، نظيره قوله - تعالى - : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى : 30 ] . قال البغويّ « 5 » : وتعلّق أهل القدر بظاهر هذه الآية ؛ فقالوا « 6 » : نفى اللّه - عز وجل - السّيّئة عن نفسه ، ونسبها إلى العبد ؛ فقال : « وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ » ولا متعلّق لهم فيه ؛ لأنّه ليس المراد من الآية حسنات الكسب ولا سيّئاته ] « 7 » من الطّاعات والمعاصي ، بل المراد منه : ما يصيبهم من النّعم والمحن ، وذلك ليس من فعلهم ؛ بدليل
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : من . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 454 . ( 6 ) في ب : فقال . ( 7 ) سقط في أ .